صديق الحسيني القنوجي البخاري
190
فتح البيان في مقاصد القرآن
وعن ابن مسعود بأطول من هذا . وأخرج البخاري عن عمر قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : « لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد اللّه ورسوله » « 1 » . وعن عبادة بن الصامت قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : « من شهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله ، وأن عيسى عبده ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ، والجنة والنار حق أدخله اللّه الجنة على ما كان له من العمل » « 2 » أخرجه الشيخان . فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أي بأنه سبحانه إله واحد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ؛ وبأن رسله صادقون مبلّغون عن اللّه ما أمرهم بتبليغه ، ولا تكذبوهم ولا تغلوا فيهم فتجعلوا بعضهم آلهة وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ قال الزجاج أي لا تقولوا آلهتنا ثلاثة . وقال الفراء وأبو عبيد أي لا تقولوا هم ثلاثة كقوله سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ [ الكهف : 22 ] ، وقال أبو علي الفارسي : لا تقولوا هو ثالث فحذف المبتدأ والمضاف ، والنصارى مع تفرّق مذاهبهم متفقون على التثليث ، ويعنون بالثلاثة الثلاثة الأقانيم فيجعلونه سبحانه جوهرا واحدا وله ثلاثة أقانيم ويعنون بالأقانيم أقنوم الوجود وأقنوم الحياة وأقنوم العلم ، وإنما يعبرون عن الأقانيم بالآب والابن وروح القدس ، فيعنون بالآب الوجود وبالروح الحياة وبالابن المسيح ، وقيل المراد بالآلهة الثلاثة اللّه سبحانه وتعالى ومريم والمسيح . وقد اختبط النصارى في هذا اختباطا طويلا ، ووقفنا في الأناجيل الأربعة التي يطلق عليها اسم الإنجيل عندهم على اختلاف كثير في عيسى ، فتارة يوصف بأنه ابن الإنسان وتارة يوصف بأنه ابن اللّه وتارة يوصف بأنه ابن الرب ، وهذا تناقض ظاهر وتلاعب بالدين . والحق ما أخبرنا اللّه به في القرآن ، وما خالفه في التوراة والإنجيل أو الزبور فهو من تحريف المحرفين وتلاعب المتلاعبين . ومن أعجب ما رأيناه أن الأناجيل الأربعة كل واحد منها منسوب إلى واحد من أصحاب عيسى عليه السلام ، وحاصل ما فيها جميعا أن كل واحد من هؤلاء الأربعة ذكر سيرة عيسى من عند أن بعثه اللّه إلى أن رفعه اللّه ، وذكر ما جرى له من المعجزات
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الأنبياء باب 48 ، والدارمي في الرقاق باب 68 ، وأحمد في المسند 1 / 23 ، 24 ، 47 ، 55 . ( 2 ) أخرجه البخاري في الأنبياء باب 47 ، وتفسير سورة 17 ، باب 5 ، ومسلم في الإيمان حديث 46 ، والترمذي في القيامة باب 10 ، وأحمد في المسند 2 / 436 ، 5 / 292 ، 314 .